menu-icon menu-icon
الإيمان

فالإيمان بالله هو الاعتقاد الجازم بوجوده سبحانه، وأنه رب كل شيء، المستحق للعبادة وحده، دون ما سواه، المتصف بصفات الكمال، المنزه عن صفات النقص.ويتضمن الإيمان بالله أربعة أمور:

أولاً: الإيمان بوجوده:

وجوده سبحانه أحق الحق: ( ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّـهَ هُوَ الْحَقُّ)

[الحج: 62]
 

والشك في وجوده بهت ونكر: ( قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّـهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَ رْضِ)

[إبراهيم:10]
 

وجحد وجوده كبر وكفر: (قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَـٰؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَ رْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَ ظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا )

[الإسراء: 102]
 

وقال تعالى: (قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ ﴿٢٣﴾ قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۖ إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ ﴿٢٤﴾ قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ ﴿٢٥﴾ قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ ﴿٢٦﴾ قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ ﴿٢٧﴾ قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۖ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ ﴿٢٨﴾ قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَـٰهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ ﴿٢٩﴾)

[الشعراء:23-29]
 

وقد دلّ على وجوده سبحانه أمور، منها:

الفطرة السليمة

وهي ما جبل عليه ابن آدم من غير سبق تعليم. قال تعالى: ( فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ اللَّـهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّـهِ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ)

[الروم:30]
 

وقال -صلى الله عليه وسلم-: ((ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه)) رواه البخاري ومسلم

(أخرجه البخاري)
 


وفي رواية عند مسلم: ((ما من مولود يولد إلا وهو على الملة))

(أخرجه مسلم)
 

وفي رواية عنده: ((إلا على هذه الملة، حتى يبين عنه لسانه))

(أخرجه مسلم)
 

وفي رواية أخرى عنه: ((ليس من مولود يولد إلا على هذه الفطرة، حتى يعبر عنه لسانه))

(أخرجه مسلم)
 

فكل مخلوق باقٍ على فطرته الأصلية، يجد في نفسه الإيمان بوجود الله، إلا أن يطرأ على تلك الفطرة ما يفسدها، قال تعالى في الحديث القدسي: ((وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم))

(أخرجه مسلم)
 

وربما ران على الفطرة حجاب من الشبهات والشهوات، لكنها تظهر على حقيقتها في أوقات الشدائد والأزمات، قال تعالى: (فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّـهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ)

[العنكبوت: 65]
 

العقل الصريح

وهو السالم من الشبهات والشهوات، فإنه يقطع بأن المخلوقات لا بد لها من خالق؛ لأنها لا يمكن أن توجد صدفة بدون خالق، ولا يمكن أن توجد نفسها بنفسها، فالعدم لا ينشئ وجوداً، فلا بد من خالق موجد، وهو الله سبحانه.

ولما قدم جبير بن مطعم على رسول -صلى الله عليه وسلم- في فداء أسرى بدر، وكان إذ ذاك مشركاً، سمع النبي -صلى الله عليه وسلم-، يقرأ في المغرب بالطور، فلما بلغ هذه الآية: (فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُوا صَادِقِينَ ﴿٣٤﴾ أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ ﴿٣٥﴾ أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ۚ بَل لَّا يُوقِنُونَ ﴿٣٦﴾ أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ ﴿٣٧﴾)

[الطور: 35- 37]
 


قال: ((كاد قلبي أن يطير))

(أخرجه البخاري)
 

رواه البخاري، وكان ذلك أول ما دخل الإيمان في قلبه.

وقد استدل بصراحة العقل خطيب العرب في الجاهلية قس بن ساعدة الإيادي، فقال: "البعرة تدل على البعير، والأثر يدل على المسير، فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، أفلا تدل على الصانع الخبير"

(من خطبة لقس بن ساعدة)
 

الحس المشهود

قال تعالى: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ)

[فصلت: 53]
 

وله صور متنوعة، منها: آيات النبيين، وكرامات الأولياء والصالحين، وإجابات الداعين. قال تعالى عن نبيه نوح -عليه السلام-: (فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ ﴿١٠﴾ فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ ﴿١١﴾ وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَىٰ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ ﴿١٢﴾ وَحَمَلْنَاهُ عَلَىٰ ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ ﴿١٣﴾ تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِّمَن كَانَ كُفِرَ ﴿١٤﴾)

[القمر: 10-14]
 

وقال: (فَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ ۖ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ ﴿٦٣﴾ وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ ﴿٦٤﴾ وَأَنجَيْنَا مُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُ أَجْمَعِينَ ﴿٦٥﴾ ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ ﴿٦٦﴾ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً ۖ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ ﴿٦٧﴾)

[الشعراء: 63-67]
 

وقال تعالى عن نبيه عيسى -عليه السلام-: (وَرَسُولًا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ ۖ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّـهِ ۖ وَأُبْرِئُ الْأَ كْمَهَ وَالْأَ بْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ اللَّـهِ ۖ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ)

[آل عمران: 49]
 

وجرى أمثال ذلك لنبينا محمد -صلى الله عليه وسلم-، فعن أنس بن مالك -رضي الله عنه-: (( أن رجلاً دخل المسجد يوم جمعة من باب كان نحو دار القضاء، ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- قائم يخطب، فاستقبل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قائماً، ثم قال: يا رسول الله هلكت الأموال، وانقطعت السبل، فادع الله يغيثنا، فرفع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يديه، ثم قال: ((اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا)) قال أنس: ولا والله ما نرى في السماء من سحاب، ولا قزعة، وما بيننا وبين سلع من بيت ولا دار، قال: فطلعت من ورائه سحابة مثل الترس، فلما توسطت السماء انتشرت، ثم أمطرت، فلا والله ما رأينا الشمس سبتاً، ثم دخل رجل من ذلك الباب في الجمعة، ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- قائم يخطب، فاستقبله قائماً، فقال: يا رسول الله هلكت الأموال، وانقطعت السبل، فادع الله يمسكها عنا، قال: فرفع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يديه، ثم قال: اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام والظراب، وبطون الأودية، ومنابت الشجر. قال: فأقلعت، وخرجنا نمشي في الشمس متفق عليه.))

(أخرجه البخاري)
 

وقال الله -عز وجل- على سبيل العموم: ( أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ ۗ أَإِلَـٰهٌ مَّعَ اللَّـهِ ۚ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ)

[النمل: 62]
 

فآيات المرسلين، وإجابة الداعين، وغوث المكروبين: أدلة محسوسة، أدركها فئام من الناس، تشهد بوجود مرسِلهم، ومجيبهم، ومغيثهم سبحانه، شهادة يقين.

الشرع الصحيح

وهو ناطق الكتاب، وصحيح السنة: قال تعالى: ( أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّـهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا )

[النساء: 82]
 

وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا )

[النساء: 174]
 

وقال: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ)

[يونس:57]
 

وقال تعالى: (أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَىٰ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ)

[العنكبوت: 51]
 

فما تضمنه القرآن العظيم من الأخبار الغيبية المتحققة، والعقائد الصحيحة، والشرائع العادلة، والأخلاق القويمة دليل على أن ذلك من عند الله، ولا يمكن أن يكون من عند غيره من المخلوقين.

ولهذا لم ينكر وجود الله حقيقة أحد من بني آدم، وإنما تظاهر بذلك أصناف من الملاحدة قديماً وحديثاً، مثل:






الدهريون:

وهؤلاء الفلاسفة الدهرية القائلون بقدم العالم وخلوده، ويشابههم في هذا العصر من يسمون (الملاحدة الجدد). والدهريون هم القائلون: ( وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ ۚ وَمَا لَهُم بِذَٰلِكَ مِنْ عِلْمٍ ۖ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ)

[الجاثية: 24]
 

. فيزعمون أن العالم يسير بنفسه، وأنه لم يزل ولا يزال! ويقولون: بطون تدفع، وأرض تبلع، وما يهلكنا إلا الدهر! فعطّلوا المخلوقات عن خالقها، وقد ردّ الله عليهم بقوله: ﴿وَمَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾ لا من عقل، ولا نقل، ولا حس، ولا فطرة، بل محض تخرُّص وتوهم: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾.

الطبائعيون:

القائلون: إن العالم وجد بفعل (الطبيعة) أي: أن ذوات الأشياء: من نبات، وحيوان، وجماد، وخصائصها، أوجدت نفسها وحركاتها! والرد عليهم بدهي: وهو أنه يمتنع أن يكون الشيء خالقاً ومخلوقاً في آنٍ واحد، قال تعالى: ( أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ)

[الطور: 35]
 

والطبيعة التي يسندون إليها الإيجاد جملة جمادات؛ صماء، عمياء، بكماء، لا مشاعر لها وأحاسيس، فكيف تنشئ مخلوقاتٍ حية؛ تسمع، وتبصر، وتنطق، وتحس، وتشعر بالألم والأمل؟! ففاقد الشيء لا يعطيه.

الصدفيون:

القائلون بأن الكائنات نشأت عن طريق المصادفة المحضة، بمعنى أن تجمُّع الذرات والجزيئات أدّى عن طريق الصدفة إلى ظهور الحياة، وتكوُّن المخلوقات المتنوعة بلا تدبير ولا إحكام مسبق! ومجرد تصور هذه الدعوى يكفي لإسقاطها وتهافتها، فإن دقة الخلق، ونظامه البديع، واستمراره على سنن مطردة، وتوازن محكم، يمنع دعوى الصدفة، قال تعالى: ( صُنْعَ اللَّـهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ)

[النمل: 88]
 

وقال: (اللَّـهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّـهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّـهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا)

[الطلاق: 12]
 

الشيوعيون:

وهم أتباع (كارل ماركس) القائلون: "لا إله، والحياة مادة". ولما أسسوا دولتهم (الاتحاد السوفييتي) على هذا الجرف الهاري، والاعتقاد الباطل، انهارت في زمن قصير، وتفككت إلى دويلات متعددة.

أفراد شواذ، على مر التاريخ :

كفرعون الذي تظاهر بإنكار الرب، فقال (وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ)

[الشعراء: 23]
 

ثم ادعى ذلك لنفسه، فقال: (أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ)

[النازعات: 24]
 

ثم تمادى فادعى لنفسه الألوهية، فقال: ( مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرِي)

[القصص: 38]
 

وتوعد موسى -عليه السلام- فقال: (قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَـٰهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ)

[الشعراء: 29]
 

وكالنمرود الذي حاج إبراهيم في ربه: ( إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ ۖ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّـهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ ۗ وَاللَّـهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)

[البقرة: 258]
 

وكل هؤلاء مناقضون لأنفسهم، متنكرون لفطرهم، كما شهد الله بذلك عليهم، بقوله: (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا ۚ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ )

[النمل: 14]
 

ولهذا لم تقم لهم قائمة، ولم تبق لهم باقية.

الإيمان بربوبيته

هو الاعتقاد الجازم بأن الله تعالى وحده هو الرب؛ الخالق، المالك، الآمر، ومعنى الرب: السيد، المالك، المتصرف، الذي ربّى جميع العالمين بنعمه، قال تعالى: (قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَا مُوسَىٰ ﴿٤٩﴾ قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ ﴿٥٠﴾)

[طه: 49-50]
 

فمدار الربوبية على ثلاثة أمور:

1- الخلق:

فالله خالق كل شيء، وما سواه مخلوق، قال تعالى: (اللَّـهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ)

[الزمر: 62]
 
seegogImg

وقال: ( وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا)

[الفرقان: 2]
 

وكل خلق أضيف إلى غيره فهو خلق نسبي؛ بمعنى التشكيل، والتأليف، والتقدير، لا الإنشاء من العدم، كقوله: (فَتَبَارَكَ اللَّـهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ)

[المؤمنون: 14]
 
seegogImg

2- الملك:

فالله المالك، وما سواه مملوك، قال تعالى: (أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّـهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۗ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّـهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ)

[البقرة: 107]
 

وقال: (لِلَّـهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۗ وَاللَّـهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)

[آل عمران: 189]
 

وقال: ( قُلِ اللَّـهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ)

[آل عمران: 26]
 

وقال: (وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ )

[الإسراء: 111]
 

وقال: (ذَٰلِكُمُ اللَّـهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ ۚ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ)

[فاطر: 13]
 

وكل ملك أضيف إلى أحد سواه فهو ملك نسبي، مؤقت، جزئي، كما في قوله: (يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ)

[غافر: 29]
 

وقوله: ( أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ)

[النساء: 3]
 

وأما الملك التام المطلق فهو لله -عز وجل- وحده، قال تعالى: ( إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ)

[مريم: 40]
 

3- الأمر:

فالله الآمر، وما سواه مأمور، قال تعالى: ( قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّـهِ)

[آل عمران:154]
 

وقال: (أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ۗ تَبَارَكَ اللَّـهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ)

[الأعراف: 54]
 

وقال: ( وَقُضِيَ الْأَمْرُ ۚ وَإِلَى اللَّـهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ )

[البقرة: 210]
 

وقال لنبيه: ( لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ )

[آل عمران: 128]
 

فكيف بمن دونه؟ وقال: (لِلَّـهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ)

[الروم: 4]
 

فهو الآمر وحده في خلقه، وما أضيف إلى غيره من أمر، كقوله: (فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ ۖ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ)

[هود: 97]
 

فهو أمر نسبي، داخل تحت مشيئته؛ إن شاء أمضاه، وإن شاء منعه.

وأمره سبحانه يشمل الأمر الكوني والشرعي، فأما الكوني فنافذ لا محالة، وهو مرادف للمشيئة، قال تعالى: (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ)

[يس: 82]
 

وأما الشرعي فهو محل الاختبار، وهو مرادف للمحبة، فقد يقع وقد لا يقع، وكل ذلك داخل في عموم مشيئته، كما قال: (لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ ﴿٢٨﴾ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّـهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ﴿٢٩﴾)

[التكوير: 28-29]
 

وبقية صفات ربوبيته سبحانه ترجع إلى هذه الأمور الثلاثة: الخلق، والملك، والأمر، كالرَّزق، والإحياء، والإماتة، وإنزال الغيث، وإنبات الأرض، وتصريف الرياح، وإجراء الفلك، وتعاقب الليل والنهار، والحمل، والوضع، والصحة، والمرض، والعز، والذل، وغيرها.

وهذا الإيمان بربوبيته سبحانه مركوز في الفطر، مدرك ببداهة العقول، محسوس في الكون، موفور في النصوص، ومن دلائل ذلك في كتاب الله: قوله تعالى: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّـهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ)

[البقرة: 164].
 

وقوله تعالى: (تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ ۖ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ ۖ وَتَرْزُقُ مَن تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ)

[آل عمران: 27]
 


وقوله تعالى: ( إِنَّ اللَّـهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَىٰ ۖ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ۚ ذَٰلِكُمُ اللَّـهُ ۖ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ ﴿٩٥﴾ فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ۚ ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ﴿٩٦﴾ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ۗ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴿٩٧﴾ وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ ۗ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ ﴿٩٨﴾ وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُّتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ ۗ انظُرُوا إِلَىٰ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكُمْ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴿٩٩﴾)

[الأنعام: 95-99]
 

وقوله تعالى: (اللَّـهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ۖ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ ۖ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ۖ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُّسَمًّى ۚ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُم بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ ﴿٢﴾ وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا ۖ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ ۖ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴿٣﴾ وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَىٰ بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَىٰ بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴿٤﴾)

[الرعد: 2-4]
 

وقوله تعالى: (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ ۚ تَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴿٣﴾ خَلَقَ الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ ﴿٤﴾ وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا ۗ لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ﴿٥﴾ وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ ﴿٦﴾ وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَىٰ بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنفُسِ ۚ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ ﴿٧﴾ وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً ۚ وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴿٨﴾ وَعَلَى اللَّـهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ ۚ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ ﴿٩﴾ هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً ۖ لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ ﴿١٠﴾ يُنبِتُ لَكُم بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴿١١﴾ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ۖ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴿١٢﴾ وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ ﴿١٣﴾ وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴿١٤﴾ أَلْقَىٰ فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴿١٥﴾ وَعَلَامَاتٍ ۚ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ ﴿١٦﴾ أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لَّا يَخْلُقُ ۗ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ﴿١٧﴾ وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّـهِ لَا تُحْصُوهَا ۗ إِنَّ اللَّـهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴿١٨﴾)

[النحل: 3-18]
 

( الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴿١١﴾ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ ﴿١٢﴾ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ ﴿١٣﴾ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ ۚ فَتَبَارَكَ اللَّـهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ﴿١٤﴾ ثُمَّ إِنَّكُم بَعْدَ ذَٰلِكَ لَمَيِّتُونَ ﴿١٥﴾ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ ﴿١٦﴾ وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ ﴿١٧﴾ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ ۖ وَإِنَّا عَلَىٰ ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ ﴿١٨﴾ فَأَنشَأْنَا لَكُم بِهِ جَنَّاتٍ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَّكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ﴿١٩﴾ وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَاءَ تَنبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِّلْآكِلِينَ ﴿٢٠﴾ وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً ۖ نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ﴿٢١﴾ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ ﴿٢٢﴾)

[المؤمنون: 11 - 22]
 

وقوله: ( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّـهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَاءُ ۖ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ ﴿٤٣﴾ يُقَلِّبُ اللَّـهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُولِي الْأَبْصَارِ ﴿٤٤﴾ وَاللَّـهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِّن مَّاءٍ ۖ فَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَىٰ بَطْنِهِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَىٰ رِجْلَيْنِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَىٰ أَرْبَعٍ ۚ يَخْلُقُ اللَّـهُ مَا يَشَاءُ ۚ إِنَّ اللَّـهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴿٤٥﴾)

[النور:43- 45]
 

وقوله: (أَلَمْ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا ﴿٤٥﴾ ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا ﴿٤٦﴾ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا ﴿٤٧﴾ وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ ۚ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا ﴿٤٨﴾ لِّنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا ﴿٤٩﴾ وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَىٰ أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا ﴿٥٠﴾ وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَّذِيرًا ﴿٥١﴾ فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا ﴿٥٢﴾ وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَـٰذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَـٰذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَّحْجُورًا ﴿٥٣﴾ وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا ۗ وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا ﴿٥٤﴾)

[الفرقان: 45-54]
 

وقوله: ((فَسُبْحَانَ اللَّـهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ ﴿١٧﴾ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ ﴿١٨﴾ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ۚ وَكَذَٰلِكَ تُخْرَجُونَ ﴿١٩﴾ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنتُم بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ ﴿٢٠﴾ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴿٢١﴾ وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ ﴿٢٢﴾ وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُم مِّن فَضْلِهِ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ ﴿٢٣﴾ وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴿٢٤﴾ وَمِنْ آيَاتِهِ أَن تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ۚ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِّنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنتُمْ تَخْرُجُونَ ﴿٢٥﴾ وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ ﴿٢٦﴾ وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ ۚ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَىٰ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴿٢٧﴾))

[الروم: 17-27]
 

وقوله تعالى: ((الرَّحْمَـٰنُ ﴿١﴾ عَلَّمَ الْقُرْآنَ ﴿٢﴾ خَلَقَ الْإِنسَانَ ﴿٣﴾ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ﴿٤﴾ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ ﴿٥﴾ وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ ﴿٦﴾ وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ ﴿٧﴾ أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ ﴿٨﴾ وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ ﴿٩﴾ وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ ﴿١٠﴾ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ ﴿١١﴾ وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ ﴿١٢﴾ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴿١٣﴾ خَلَقَ الْإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ ﴿١٤﴾ وَخَلَقَ الْجَانَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ ﴿١٥﴾ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴿١٦﴾ رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ ﴿١٧﴾ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴿١٨﴾ مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ ﴿١٩﴾ بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَّا يَبْغِيَانِ ﴿٢٠﴾ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴿٢١﴾ يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ ﴿٢٢﴾ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴿٢٣﴾ وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ ﴿٢٤﴾ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴿٢٥﴾))

[الرحمن: 1-25]
 

وقوله: (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا ﴿٦﴾ وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا ﴿٧﴾ وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا ﴿٨﴾ وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا ﴿٩﴾ وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا ﴿١٠﴾ وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا ﴿١١﴾ وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا ﴿١٢﴾ وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا ﴿١٣﴾ وَأَنزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا ﴿١٤﴾ لِّنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا ﴿١٥﴾ وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا ﴿١٦﴾)

[النبأ: 6-16]
 

وقوله: (أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ ۚ بَنَاهَا ﴿٢٧﴾ رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا ﴿٢٨﴾ وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا ﴿٢٩﴾ وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَٰلِكَ دَحَاهَا ﴿٣٠﴾ أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا ﴿٣١﴾ وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا ﴿٣٢﴾ مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ ﴿٣٣﴾)

[النازعات: 27-33]
 

وقوله: ( فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَىٰ طَعَامِهِ ﴿٢٤﴾ أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا ﴿٢٥﴾ ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا ﴿٢٦﴾ فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبًّا ﴿٢٧﴾ وَعِنَبًا وَقَضْبًا ﴿٢٨﴾ وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا ﴿٢٩﴾ وَحَدَائِقَ غُلْبًا ﴿٣٠﴾ وَفَاكِهَةً وَأَبًّا ﴿٣١﴾ مَّتَاعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ ﴿٣٢﴾ )

[عبس: 24-32]
 

وعامة بني آدم مُقِرُّون من حيث الجملة بربوبية الله تعالى:بأنه الخالق، المالك، المدبر، حتى مشركي العرب، حكى الله عنهم هذا الإقرار، في مواضع من كتابه، كقوله: (قُل لِّمَنِ الْأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿٨٤﴾ سَيَقُولُونَ لِلَّـهِ ۚ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ﴿٨٥﴾ قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ﴿٨٦﴾ سَيَقُولُونَ لِلَّـهِ ۚ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ ﴿٨٧﴾ قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿٨٨﴾ سَيَقُولُونَ لِلَّـهِ ۚ قُلْ فَأَنَّىٰ تُسْحَرُونَ ﴿٨٩﴾)

[المؤمنون: 84-89]
 

وقوله: (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ)

[الزخرف:9]
 

shape

وإنما وقع في هذا الباب ضلال جزئي، من قبل طوائف متعددة، حيث أشركوا في الربوبية، مثل:

1- الثنوية من المجوس، والمانوية: القائلون بأن للعالم خالقين: إله النور؛ يخلق الخير، وإله الظلمة؛ يخلق الشر! وهم متفقون على أن النور خير من الظلمة، ومختلفون في الظلمة؛ هل هي قديمة أم محدثة؟

2- النصارى: القائلون بالتثليث؛ فيجعلون الإله الواحد -بزعمهم- ثلاثة أقانيم: الأب، والابن، وروح القدس. ولكنهم لم يثبتوا للعالم ثلاثة أرباب، ينفصل بعضهم عن بعض، بل متفقون على أن صانع العالم واحد.

3- بعض مشركي العرب: الذين يعتقدون في آلهتهم شيئاً من النفع والضر والتدبير، ويستقسمون بالأزلام.

4- القدرية النفاة: القائلون: العبد يخلق فعل نفسه خلقاً مستقلاً عن الله.

وكل هذه الضلالات مدفوعة بدلالة الفطرة، والعقل، والحس، والشرع على وحدانية الرب سبحانه في خلقه، وملكه، وأمره، قال تعالى: (مَا اتَّخَذَ اللَّـهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَـٰهٍ ۚ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَـٰهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۚ سُبْحَانَ اللَّـهِ عَمَّا يَصِفُونَ)

[المؤمنون: 91]
 

فالإله الحق لا بد أن يكون خلاقاً، فعالاً لما يريد، فلو كان معه شريك لكان يخلق ويفعل، وحينئذٍ لا يخلو الحال من أحد احتمالين:

∙ إما أن يذهب كل إله بخلقه، ويستقل بسلطانه: وهذا الاحتمال يأباه انتظام العالم.

∙ وإما أن يقع بينهما مغالبة واستعلاء: فلو أراد أحدهما تحريك جسم، وأراد الآخر تسكينه، أو أراد أحدهما إحياء شيءٍ، وأراد الآخر إماتته، فإما أن يحصل مرادهما، أو مراد أحدهما، أو لا يحصل مراد أيٍ منهما، والأول والثالث ممتنعان؛ لأنهما نقيضان؛ لا يجتمعان، ولا يرتفعان، فتعيَّن الثاني؛ فمن حصل مراده فهو الإله القادر، والآخر لا يصلح للإلهية. فآل الأمر إلى إثبات ربٍ واحد؛ خالقٍ واحد، وملكٍ واحد، ومدبر واحد، وهذا ما يعرف بدليل التمانع.

seegogImg

ثالثاً: الإيمان بألوهيته:


وهو الاعتقاد الجازم بأن الله وحده هو الإله الحق، المستحق للعبادة دون ما سواه. فإن معنى (الإله): المألوه، أي المعبود، الذي تألهه القلوب محبةً، وتعظيماً.

وحقيقة العبادة: كمال المحبة، مع كمال التذلل، والخضوع، والتعظيم؛ وذلك لا يكون إلا للإله الواحد، وقد جاءت بهذا الإيمان أعظم شهادة، من أعظم شاهد، في أعظم مشهود به، قال تعالى: (شَهِدَ اللَّـهُ أَنَّهُ لَا إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ ۚ لَا إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ )

[آل عمران: 18]
 

وقال: (وَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ ۖ لَّا إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَـٰنُ الرَّحِيمُ)

[البقرة: 163]
 
seegogImg

وقد خلق الله جميع خلقه؛ إنسهم، وجنهم، لعبادته وحده، مع كمال غناه عنهم، قال تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴿٥٦﴾ مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ ﴿٥٧﴾)

[الذاريات:56-57]
 

بعث جميع رسله إلى الناس ليحققوا هذا الإيمان، ويدعونهم إلى إفراده بالعبادة، ونبذ الشرك، قال تعالى: (لَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّـهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ)

[النحل: 36]
 

فبادؤوا أقوامهم بالقول: (يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّـهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ )

[الأعراف: 85،73،65،59]
 

قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَـٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ)

[الأنبياء:25]
 
seegogImg
seegogImg

وتحقيق هذا الإيمان يقتضي صرف جميع أنواع العبادات لله وحده، فمن صرف منها شيئاً لغير الله فهو مشرك كافر، وهي أصناف:

1- العبادات القلبية:

كالمحبة، قال تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّـهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّـهِ ۖ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّـهِ)

[البقرة: 165]
 

والخوف، قال تعالى: ( فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ)

[آل عمران: 175]
 

والرجاء، قال تعالى: (فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا)

[الكهف: 110]
 
seegogImg

وهذه الثلاث هي أمهات العبادات القلبية، قال تعالى: (أُولَـٰئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ ۚ )

[الإسراء: 57]
 

. ولا يقتصر على بعضها دون بعض؛ فمن عبد الله بالخوف وحده فهو حروري، ومن عبد الله بالرجاء وحده فهو مرجئ، ومن عبد الله بالحب وحده فهو زنديق، ومن عبد الله بالحب والخوف والرجاء فهو: (الموحد الحنيف). وصلاح القلب أصل صلاح الجسد، كما في الحديث: ((ألا وإن في الجسد مضغة؛ إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب))

(أخرجه البخاري)
 
seegogImg
seegogImg

2- العبادات القولية: كالدعاء، قال تعالى: (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّـهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّـهِ أَحَدًا)

[الجن: 18]
 

والاستعاذة، قال تعالى: (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ)

[الفلق:1]
 

وقوله: (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ)

[الناس:1]
 
seegogImg

والاستغاثة، قال تعالى: (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ)

[الأنفال: 9]
 

والذكر بأنواعه، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّـهَ ذِكْرًا كَثِيرًا)

[الأحزاب: 41]
 

والتلاوة، قال تعالى: (اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ )

[العنكبوت: 45]
 
seegogImg

وعموم الكلم الطيب، قال تعالى: (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ)

[فاطر: 10]
 

3- العبادات البدنية:

كالصلاة، والنحر، قال تعالى: (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّـهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)

[الأنعام: 162]
 

وقال: (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ)

[الكوثر:2]
 
seegogImg

والطواف قال تعالى: (وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ)

[الحج: 29]
 

، وإماطة الأذى عن الطريق، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في خصال الإيمان: وأدناها إماطة الأذى عن الطري، وغيرها

4- العبادات المالية:

كالنفقات التعبدية؛ من زكوات، وصدقاتٍ، ووصايا، وأوقاف، وهبات، قال تعالى: ( إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّـهِ وَابْنِ السَّبِيلِ ۖ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّـهِ ۗ وَاللَّـهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)

[التوبة: 60]
 
seegogImg
seegogImg

وقال تعالى:( وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللَّـهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَاتٍ عِندَ اللَّـهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ ۚ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَّهُمْ ۚ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّـهُ فِي رَحْمَتِهِ ۗ إِنَّ اللَّـهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)

[التوبة:99]
 

وإطعام الطعام، قال تعالى: ( وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا ﴿٨﴾ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّـهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا ﴿٩﴾)

[الإنسان: 8-9]
 
seegogImg

والإيمان بألوهية الله -عز وجل- لازم الإيمان بربوبيته ومقتضاه، فمن أقرّ بأن الله هو الخالق، المالك، المدبر، لزمه أن يقر بألوهيته، ويفرده بالعبادة، وقد أقام الله الحجة على المشركين بهذا الإقرار، في مواضع متعددة من كتابه، مثل: قوله تعالى: ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴿٢١﴾ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ ۖ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّـهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿٢٢﴾)

[البقرة: 21-22]
 

وقوله: (قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ۚ فَسَيَقُولُونَ اللَّـهُ ۚ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ ﴿٣١﴾ فَذَٰلِكُمُ اللَّـهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ ۖ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ ۖ فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ ﴿٣٢﴾)

[يونس: 31-32]
 
seegogImg
seegogImg

وقوله: (قُلِ الْحَمْدُ لِلَّـهِ وَسَلَامٌ عَلَىٰ عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَىٰ ۗ آللَّـهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ ﴿٥٩﴾ أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُوا شَجَرَهَا ۗ أَإِلَـٰهٌ مَّعَ اللَّـهِ ۚ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ ﴿٦٠﴾ أَمَّن جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا ۗ أَإِلَـٰهٌ مَّعَ اللَّـهِ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴿٦١﴾ أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ ۗ أَإِلَـٰهٌ مَّعَ اللَّـهِ ۚ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ ﴿٦٢﴾ أَمَّن يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَن يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ ۗ أَإِلَـٰهٌ مَّعَ اللَّـهِ ۚ تَعَالَى اللَّـهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴿٦٣﴾ أَمَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ۗ أَإِلَـٰهٌ مَّعَ اللَّـهِ ۚ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴿٦٤﴾)

[النمل: 59-64]
 

فأقام الله تعالى الحجة عليهم بتوحيد الألوهية بإقرارهم بتوحيد الربوبية.

كما أنه سبحانه أبطل ألوهية آلهة المشركين بكونها لا تتصف بشيء من صفات الربوبية، قال تعالى: (أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ ﴿١٩١﴾ وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ ﴿١٩٢﴾ وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَىٰ لَا يَتَّبِعُوكُمْ ۚ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنتُمْ صَامِتُونَ ﴿١٩٣﴾ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّـهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ ۖ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴿١٩٤﴾ أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا ۖ أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا ۖ أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا ۖ أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ۗ قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنظِرُونِ ﴿١٩٥﴾ إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّـهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ ۖ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ ﴿١٩٦﴾ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ ﴿١٩٧﴾ وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَىٰ لَا يَسْمَعُوا ۖ وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ ﴿١٩٨﴾)

[الأعراف: 191-198]
 

seegogImg

وقال: (وَاتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَّا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا)

[الفرقان: 3]
 

وقال: ( قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّـهِ ۖ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ ﴿٢٢﴾ وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ ۚ حَتَّىٰ إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ ۖ قَالُوا الْحَقَّ ۖ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ ﴿٢٣﴾)

[سبأ: 22-23]
 

ولهذا كان الشرك في عبادة الله تعالى:

1- أظلم الظلم

قال تعالى: (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ )

[لقمان: 13]
 

لأن تنقص لرب العالمين، وصرف خالص حقه لغيره، وعدل غيره به، كما قال تعالى: (ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ)

[الأنعام: 1]
 

2- أكبر الكبائر

قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟)) ثلاثاً، قلنا: بلى، يا رسول الله، قال: ((الإشراك بالله))()، الحديث، متفق عليه. متفق عليه.

(أخرجه البخاري ومسلم)
 

3- أعظم الذنوب:

: سُئل النبي -صلى الله عليه وسلم-: أي الذنب أعظم؟ قال: ((أن تجعل لله نداً وهو خلقك)) متفق عليه.

(أخرجه البخاري ومسلم)
 

4- انتكاس في الفطرة

وتردٍّ في الضلالة، قال تعالى ( وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّـهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ)

[الحج: 31]
 

وقد رتّب الله تعالى على الشرك -لعظم بشاعته- أحكاماً دنيوية، وأخروية، منها:

1- عدم الغفران: قال تعالى: (إِنَّ اللَّـهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّـهِ فَقَدِ افْتَرَىٰ إِثْمًا عَظِيمًا)

[النساء: 48]
 

2- تحريم الجنة، والخلود في النار: قال تعالى: (إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّـهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّـهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ ۖ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ)

[المائدة: 72]
 

3- حبوط جميع الأعمال: قال تعالى: (وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ)

[الزمر: 65]
 

4- سقوط عظمة الدم والمال: قال تعالى: (فَإِذَا انسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ ۚ فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ ۚ إِنَّ اللَّـهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)

[التوبة: 5]
 

وقال -صلى الله عليه وسلم-: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا: أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله)) متفق عليه.

(أخرجه البخاري ومسلم واللفظ لمسلم)
 

وقد ضلَّ في هذا الباب طوائف من بني آدم، منهم:

1- عُباد الأوثان: على اختلاف معبوداتهم؛ من شجر، وحجر، وإنس، وجن، وملائكة، وكواكب، وحيوانات، مما أغواهم به الشيطان. 2- القبوريون: الذين يدعون المقبورين، ويقدمون لهم النذور والقرابين، ويسألونهم جلب النفع، ودفع الضر. 3- السحرة، والمشعوذون، والكهان: الذين يعبدون الجن لقاء ما يخبرونهم به، أو يحضرونه لهم، أو يصنعونه لهم.

ولعظيم خطر الشرك في العبادة حذَّر النبي -صلى الله عليه وسلم- من الأسباب الموصلة إليه، وسد الطرق المفضية إلى وقوعه،

ومن أمثلة ذلك:

1- التحذير من الغلو في الصالحين: قال -صلى الله عليه وسلم-: (يا أيها الناس إياكم والغلو في الدين، فإنه أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين)

(رواه أحمد، والنسائي، وابن ماجه)
 

وقال: ((لا تطروني، كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبده، فقولوا: عبد الله، ورسوله))

(أخرجه البخاري)
 

ومن الغلو في الصالحين: التوسل بهم، والتوسل أنواع: أحدها: توسل شركي، مخرج من الملة: وهو دعاؤهم من دون الله؛ بقضاء الحاجات، وكشف الكربات.

الثاني: توسل بدعي: لا يبلغ مبلغ الشرك، وهو التوسل إلى الله بما لم يشرعه الله، كالتوسل بذوات الصالحين، أو جاههم، أو حقهم، أو حرمتهم، ونحو ذلك.

الثالث: توسل مشروع: وهو التوسل بالإيمان بالله، وطاعته، ودعائه باسم من أسمائه، أو صفة من صفاته، أو بعملٍ صالح قدَّمه، أو طلب الدعاء من حي صالح، في شأن عام، وأما قول عمر -رضي الله عنه-: ((اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا، فاسقنا))

(رواه البخاري)
 

فهو توسل بدعاء العباس؛ لقرابته من النبي -صلى الله عليه وسلم-، لا بذاته، ولو كان التوسل بالذوات مشروعاً؛ لتوسلوا بالنبي -صلى الله عليه وسلم-، ولو بعد وفاته.

2- التحذير من الافتتان بالقبور: ومن صور ذلك: اتخاذها مساجد: فعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: " لما نزل برسول الله -صلى الله عليه وسلم- طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتم كشفها عن وجهه، وهو كذلك يقول: ((لعنة الله على اليهود، والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)) يحذر ما صنعوا" قالت: "ولولا ذلك لأبرز قبره، غير أنه خشي أن يتخذ مسجداً" وقال: ((ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، إني أنهاكم عن ذلك))

( أخرجه البخاري ومسلم)
 

ومعنى اتخاذها مساجد: أي: قصد الصلاة عندها، وإن لم يُبن عليها مسجد، فإن المسجد هو موضع السجود. ∙ البناء عليها: وأن يزاد عليها غير ترابها، وتجصيصها: فعن أبي الهياج الأسدي -رحمه الله- قال: قال لي علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-: ((ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟ أن لا تدع تمثالاً إلا طمسته، ولا قبراً مشرفاً إلا سويته))

(أخرجه البخاري ومسلم)
 

وعن جابر بن عبد الله -رضي الله عنه- قال: ((نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يجصص القبر، وأن يقعد عليه، وأن يبنى عليه)) رواه مسلم. فيدخل في ذلك عقد القباب عليها، وتزويقها، وزخرفتها.

( أخرجه مسلم )
 

شد الرحال إليها: لعموم قوله -صلى الله عليه وسلم-: ((لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، ومسجد الحرام، ومسجد الأقصى)) متفق عليه.

(أخرجه البخاري ومسلم واللفظ لمسلم)
 

اتخاذ قبره -صلى الله عليه وسلم- عيداً: قال -صلى الله عليه وسلم-: ((ولا تجعلوا قبري عيداً)) رواه أبو داود. والعيد: ما يعتاد مجيئه وقصده من زمان ومكان.

(أخرجه أبو داود وصححه الألباني)
 

3- التحذير من مشابهة المشركين، وأهل الكتاب: في اعتقاداتهم، وعباداتهم، وعاداتهم، المختصة بهم، قال -صلى الله عليه وسلم-: ((خالفوا المشركين)) متفق عليه وقال: ((خالفوا المجوس)) رواه مسلم وقال: ((خالفوا اليهود)) رواه أبو داود.

(أخرجه البخاري)
 

4- التحذير من التصوير: فعن عائشة أن أم سلمة -رضي الله عنهما- ذكرت لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- كنيسة رأتها بأرض الحبشة، يقال لها: مارية، فذكرت له ما رأت فيها من الصور، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((أولئك قوم إذا مات فيهم العبد الصالح، أو الرجل الصالح، بنوا على قبره مسجداً، وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله)) متفق عليه.

(أخرجه البخاري ومسلم واللفظ للبخاري)
 

5- التحذير من الألفاظ الشركية: ومن صور ذلك: الحلف بغير الله: لحديث: ((من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك)) رواه الترمذي.

(أخرجه الترمذي وصححه الألباني)
 

التسوية في المشيئة؛ لقوله لمن قال له: ما شاء الله وشئت: ((أجعلتني لله نداً؟! قل: ما شاء الله وحده)) رواه النسائي.

( أخرجه النسائي )
 

قول مطرنا بنوء كذا: لقوله في الحديث القدسي: ((وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، فذلك كافر بي، مؤمن بالكوكب)) متفق عليه. ويقاس عليه كل قول يتضمن نسبة التدبير لغير الله.

(أخرجه البخاري ومسلم واللفظ لمسلم)
 

6 ـ التحذير من الأعمال المفضية إلى الشرك: ومن صور ذلك: لبس الحلقة أو الخيط، في اليد، أو العنق، بقصد دفع البلاء، أو رفعه؛ لحديث عمران بن حصين -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أبصر على عضد رجل حلقة، أراه قال: من صفر، فقال: ((ويحك ما هذه؟)) قال: من الواهنة؟ قال: ((أما إنها لا تزيدك إلا وهناً، انبذها عنك؛ فإنك لو مت وهي عليك ما أفلحت أبداً)) رواه أحمد وابن ماجه، وابن حيان.

(أخرجه أحمد ط الرسالة)
 

تعليق التمائم، والودع، والأوتار، والقلائد؛ لدفع العين؛ لحديث: ((من تعلق تميمة فلا أتم الله له، ومن تعلق ودعة فلا ودع الله له)) رواه أحمد، وابن حبان، والحاكم.

( أخرجه أحمد ط الرسالة)
 

وفي رواية عند أحمد، والحاكم: ((من علق تميمة فقد أشرك))

( أخرجه أحمد ط الرسالة)
 

ولحديث: ((لا يبقين في رقبة بعير قلادة من وتر، أو قلادة، إلا قطعت)) متفق عليه.

(أخرجه البخاري)
 

∙ الرقى والعزائم الشركية، والتولة؛ لحديث: ((إن الرقى والتمائم والتولة شرك)) والتولة: شيءٌ يصنعونه، يزعمون أنه يحبب المرأة إلى زوجها.

( أخرجه أبو داود وابن ماجه وصححه الألباني)
 

الذبح في مواضع الشرك؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم- لما سأله رجل نذر أن ينحر إبلاً ببوانة: ((هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟)) قالوا: لا، قال: ((هل كان فيها عيد من أعيادهم؟)) قالوا: لا، فقال: ((أوف بنذرك)) رواه أبو داود.

(أخرجه أبو داو وصححه الألباني)
 

التطير والتشاؤم؛ لحديث ابن مسعود -رضي الله عنه- مرفوعاً: ((الطيرة شرك، الطيرة شرك)) رواه أبو داود، وابن ماجه.

( أخرجه أبو داود وابن ماجه وصححه الألباني)
 

وبالجملة كل من أثبت سبباً لم ينصبه الله سبباً، لا حساً، ولا شرعاً، فقد وقع في الشرك، أو تطرق إليه.

seegogImg

رابعاً: الإيمان بأسمائه وصفاته:


وهو الاعتقاد الجازم بأن الله تعالى له الأسماء الحسنى، والصفات العلى، وإثبات ما أثبت لنفسه في كتابه، أو أثبته له نبيه في سنته، من صفات الكمال، ونعوت الجلال، من غير تمثيل ولا تكييف، ونفي ما نفاه عن نفسه في كتابه، أو نفاه عنه نبيه في سنته، من صفات النقص والعيب، ومماثلة المخلوقين، من غير تحريف، ولا تعطيل. قال تعالى: (وَلِلَّـهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ فَادْعُوهُ بِهَا ۖ وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ ۚ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)

[الأعراف: 180]
 

وقال: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)

[الشورى: 11]
 

وأسماؤه وصفاته سبحانه توقيفية، لا يستقل العقل وحده بإثباتها، فلا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله، لا يتجاوز القرآن والحديث، فما سكت الله عنه ورسوله من الأوصاف فالواجب السكوت عنه، والتوقف فيه نفياً وإثباتاً، والاستفصال عن مراد قائله؛ فإن أراد معنى صحيحاً: قُبل المعنى، ورُد اللفظ، وإن ذكر معنى فاسداً: رُد اللفظ والمعنى، قال تعالى: (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَـٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولً)

[الإسراء: 36]
 

وأسماء الله تعالى قد بلغت من الحسن غايته، وهي أعلام على ذاته، وأوصاف له سبحانه، وصفاته كاملة، لا نقص فيها بوجه من الوجوه، قال تعالى: (وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَىٰ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)

[الروم: 27]
 
 seegogImg

وهي حق على حقيقتها، فيجب إجراؤها على ظاهرها، دون تحريف، ويحرم الإلحاد فيها؛ بتعطيل، أو تمثيل، أو ابتداع أسماء لم يسم بها نفسه، أو اشتقاق أسماء لأصنام من أسمائه سبحانه، كاللات من الإله، والعزى من العزيز، ومناة من المنان.

ويجب دعاؤه بها؛ دعاء مسألة، ودعاء عبادة، وينبغي إحصاؤها، وفهم معانيها، والتفكر في آثارها، والعمل بمقتضاها؛ وذلك أشرف العلوم.

وتنقسم صفات الله تعالى باعتبار تعلقها به سبحانه إلى:

1- صفات ذاتية:

وهي الملازمة لذاته المقدسة؛ كالحياة، والسمع، والبصر، والعلم، والقدرة، والإرادة، والحكمة، والقوة، وغيرها.

2- صفات فعلية:

وهي المتعلقة بمشيئته وحكمته؛ يفعلها إذا شاء، كيف شاء، بما تقتضيه حكمته البالغة؛ كالاستواء، والنزول، والمحبة، والبغض، والفرح، والعجب، والضحك، والمجيء، وغيرها مما جاء في القرآن، أو صحت به السنة.

ويقال عن بعضها، كصفة الكلام: ذاتية، فعلية: فهي ذاتية باعتبار أصل الصفة، وفعلية باعتبار آحادها وأفرادها، أو يقال: قديم النوع، حادث الآحاد.

ويقال عن بعضها: صفات خبرية: وهي ما كان سبيل إثباتها الخبر المجرد، دون العقل: كالوجه، واليدين، والعينين، والقدم، وغيرها مما صح به الخبر.

ومن صفات الله تعالى، الثابتة بالكتاب والسنة والإجماع:

1- صفة العلو: وهو ثلاثة أنواع:

1- علو القدر، أي: أن له سبحانه من كل صفة كمال أكملها وأتمها وأعلاها، قال تعالى: (وَلِلَّـهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَىٰ)

[النحل: 60]
 
seegogImg

2- وعلو القهر، أي: أن الله تعالى له العزة والقوة والغلبة والامتناع على جميع خلقه، قال تعالى: (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ )

[الأنعام: 18]
 

3- وعلو الذات؛ أي: أن الله تعالى بذاته فوق سماواته، مستوٍ على عرشه، بائن من خلقه، ليس فيه شيءٌ من خلقه، ولا في خلقه شيءٌ منه، سبحانه وبحمده، قال تعالى: (أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ)

[الملك: 16]
 

وفي صحيح مسلم أن النبي -صلى الله عليه وسلم- سأل الجارية، فقال لها: ((أين الله؟ قالت: في السماء، قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله، قال: أعتقها، فإنها مؤمنة))

(أخرجه مسلم)
 
seegogImg

وقد تضافرت أدلة الكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة، على إثبات هذا النوع، والأدلة على ذلك أكثر من أن تحصر، والعلو صفة ذاتية.

2- صفة الاستواء: قال تعالى: (ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ)

[الأعراف: 54]
 

في ستة مواضع في القرآن الكريم، وسابعها: (الرَّحْمَـٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ)

[طه: 5]
 
seegogImg

والاستواء هو علو الله على عرشه، بعد خلق السماوات والأرض، علو يليق بجلاله وعظمته، لا يماثل استواء المخلوقين، والاستواء صفة فعلية.

3- صفة الكلام: قال تعالى: ( قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا)

[الكهف: 109]
 

وقال: (وَكَلَّمَ اللَّـهُ مُوسَىٰ تَكْلِيمًا)

[النساء: 164]
 
seegogImg

وقال: (وَلَمَّا جَاءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ)

[الأعراف: 143]
 

وصفة الكلام: هي أن الله تعالى يتكلم بكلام حقيقي، مسموع، بحروف وأصوات، لا يماثل كلام المخلوقين، وأنه يتكلم متى شاء، بما شاء، كيف شاء، صدقاً، وعدلاً، بكلمات لا تنفد، لم يزل ولا يزال متكلماً سبحانه، فهو صفة ذاتية باعتبار أصله، وصفة فعليه باعتبار آحاده وأفراده.

فجميع هذه الأنواع من الصفات حق على حقيقتها، فيجب إثباتها، وإمرارها كما جاءت، وإجراؤها على ظاهرها دون تحريف ولا تعطيل، ودون تمثيل ولا تكييف؛ وذلك مطَّرد في جميع الصفات، فالقول في بعض الصفات كالقول في الباقي، سواءً بسواء، ومن فرَّق فقد تحكَّم بغير دليل.

وقد ضل في باب أسماء الله وصفاته طوائف من أهل القبلة، وهم:

1- أهل التمثيل: الذين بالغوا في الإثبات حتى وقعوا في التمثيل، وشبهتهم أن ذلك مقتضى النصوص؛ لأن الله خاطب الناس بما يعهدون في المخلوقات!

seegogImg

والرد عليهم، من وجوه:

أولاً: أن الله نفى عن نفسه المثل، والكفؤ، والند، بآيات محكمة صريحة؛ قال تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ)

[الشورى:11]
 

وقال تعالى: (فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّـهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ)

[البقرة: 22]
 

وقال: (وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ)

[الإخلاص: 4]
 

ولا يمكن أن يكون كلام الله متناقضاً.

ثانياً: أن العقل السليم يأبى أن يكون الإله الخالق الكامل، كالعبد المخلوق القاصر. فكما أن ذاته لا تشبه الذوات، فصفاته لا تشبه الصفات.

ثالثاً: أن الله خاطب العباد بما يفهمون، من حيث أصل المعنى، ولا يلزم من الاشتراك في المعنى الكلي المطلق التماثل في الحقائق والكيفيات، فإذا كان اتفاق الأسماء بين المخلوقات نفسها لا يوجب تماثلاً بينها، كلفظ السمع، والبصر، والقدرة، فما بين الخالق والمخلوق من باب أولى.

2- أهل التعطيل: الذين بالغوا في التنزيه حتى وقعوا في النفي والتعطيل، وشبهتهم أن إثبات الصفات يستلزم التمثيل؛ لكون تلك الصفات مما يتصف به المخلوق، فيتعين نفيها عن الخالق! وأثبتوا لله وجوداً مطلقاً غير مقيد بصفة، فأشدهم تعطيلاً القرامطة الباطنية الذين نفوا عنه النقيضين، ثم الجهمية الذين أنكروا الأسماء والصفات، ثم المعتزلة الذين أثبتوا الأسماء وأنكروا ما تضمنه من صفات.

seegogImg

والرد عليهم، من وجوه:

أولاً: أن الله تعالى أثبت لنفسه الصفات في آيات محكمة، صريحة، مفصلة، وذكرها مقرونة بنفي التمثيل، كقوله: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)

[الشورى: 11]
 

ولا يمكن أن يكون كلام الله متناقضاً.

ثانياً: أن إثبات وجود مطلق لا يقبل الاتصاف بوصف لا حقيقة له في الأعيان، وإنما هو قضية في الأذهان فحسب، فمقالتهم تؤول إلى إنكار الخالق.

shape

3- أهل التأويل: الذين اعتقدوا أن بعض نصوص الصفات، كالصفات الفعلية والخبرية لا تدل على صفة حقيقية لله تعالى، فطفقوا يبحثون عن معانٍ أخرى يحملون النصوص عليها، بلا دليل صحيح يسوغ لهم صرف الكلام عن ظاهره، إلى خلاف الظاهر، مسمين تحريفهم هذا تأويلاً!

والرد عليهم، من وجوه:

أولاً: أن الله تعالى أعلم بنفسه، وأصدق قيلاً، وأحسن حديثاً، من خلقه، ورسوله -صلى الله عليه وسلم- أعلم بربه، وأصدق لساناً، وأفصح بياناً، وأنصح الأمة للأمة، فكيف يستدرك أحد على الله ورسوله، ويجعل كلامهما مدعاةً للتلبيس والضلال.

ثانياً: أن الأصل في الكلام حمله على حقيقته، ولا يصح تأويله إلا بدليل صحيح يقتضي صرفه عن ظاهره إلى مجازه، ولا دليل.

ثالثاً: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قد بيَّن للناس ما نزل إليه من ربهم، وبلغ البلاغ المبين، فلا يمكن أن يهمل -صلى الله عليه وسلم- هذا الباب العظيم دون بيان المراد الذي ادعاه هؤلاء المحرفون من المعاني المخترعة!

4- أهل التجهيل: الذين اعتقدوا أن معاني ما أخبر الله به عن نفسه، أو أخبر بها رسوله مجهولة المعنى، لا يعلمها إلا الله، ولا سبيل لأحد إلى العلم بها! ويسمون طريقتهم (التفويض).

والرد عليهم، من وجوه:

أولاً: أنه يمتنع أن يكون باب العلم بالله، الذي هو أشرف أبواب الدين موصداً، فلا عقل، ولا نقل يدلان عليه.

ثانياً: أن الله تعالى أنزل القرآن بلسان عربي مبين، وأمر عباده بتعقله، وتدبر معانيه، ولم يستثن شيئاً، فدلَّ على إمكان العلم بالمعاني، وأما الكيفيات والحقائق فإنها من الغيبيات التي يُفوَّض علمها إلى الله.

ثالثاً: أن هذا المسلك يقتضي تجهيل السابقين الأولين، من سلف هذه

الأمة، ووصفهم بأنهم بمنزلة الأميين الذين لا يعلمون الكتاب إلا أماني، الأمة، ووصفهم بأنهم بمنزلة الأميين الذين لا يعلمون الكتاب إلا أماني،

هو الاعتقاد الجازم أن الله خلق خلقاً لعبادته، وأخلصهم لطاعته، وخصهم بقربه، وأسكنهم سماواته، ومنحهم القوة على تنفيذ أمره.

أولاً: أنهم عباد مكرمون، بررة مقربون، خاضعون لربهم، مشفقون

وليس لهم من خصائص الربوبية والألوهية شيء، قال تعالى: ( وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَـٰنُ وَلَدًا ۗ سُبْحَانَهُ ۚ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ ﴿٢٦﴾ لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ ﴿٢٧﴾ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَىٰ وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ ﴿٢٨﴾)

[الأنبياء: 26-28]
 

وقال: (خَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ )

[النحل: 50]
 

وقال: (لَّا يَعْصُونَ اللَّـهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ)

[التحريم: 6]
 

وقال كِرَامٍ بَرَرَةٍ

[عبس: 16]
 
2 Related by Muslim, 8.

، وقال: (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَـٰؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ ﴿٤٠﴾ قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِم)

[سبأ: 40-41]
 

وقال: ( قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ)

[البقرة: 32]
 

ثانياً: أنهم مسمَّون بأسماء كريمة:

فمن علمنا اسمه منهم آمنا به باسمه، ومن لم نعلم اسمه فإنا نؤمن به أجمالاً، وممن نعلمه من أسماء الملائكة الكرام: جبريل وميكائيل، وإسرافيل، وملك الموت، ومالك، ورضوان، وهاروت، وماروت، ومنكر ونكير، كما جاء في القرآن، وصحيح السنة.

ثالثاً: أنهم مخلوقون من نور، أولو أجنحة، على هيئات عظيمة، متنوعة:

قال تعالى: (الْحَمْدُ لِلَّـهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ۚ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ ۚ إِنَّ اللَّـهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ )

[فاطر: 1]
 
2 Related by Muslim, 8.

وقال -صلى الله عليه وسلم-: ((خلقت الملائكة من نور)) رواه مسلم. وفي الصحيحين

(أخرجه مسلم)
 

"أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رأى جبريل في صورته، وخلقه ساد ما بين الأفق"

(أخرجه البخاري)
 

وقال -صلى الله عليه وسلم-: ((أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله من حملة العرش، إن ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبع مائة عام))

(أخرجه أبو داود)
 

وفي رواية للطبراني: رجلاه في الأرض السفلى، وعلى قرنه العرش، وبين شحمة أذنه، وعاتقه خفقان الطير سبعمائة سنة، يقول الملَك: سبحانك حيث كنت

(أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط)
 

فهم خلق حقيقي، لا قوى معنوية، كما زعم ذلك بعض المجازفين، وهم خلق كثير، لا يحصيهم كثرةً إلا خالقهم، ففي حديث أنس المتفق عليه، في قصة المعراج: (( أن النبي -صلى الله عليه وسلم-، رفع له البيت المعمور، في السماء السابعة، يصلي فيه كل يوم سبعون ألف ملك، إذا خرجوا لم يعودوا إليه، آخر ما عليهم))

(أخرجه البخاري)
 

رابعاً: أنهم صافون مسبحون

ألهمهم الله تسبيحه، وامتثال أمره، ومنحهم القوة على تنفيذه، قال تعالى: (وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ ﴿١٦٤﴾ وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ ﴿١٦٥﴾ وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ ﴿١٦٦﴾)

[الصافات: 164-166]
 

وقال تعالى: (فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ )

[فصلت: 38]
 

وقال: (وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَمَنْ عِندَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ ﴿١٩﴾ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ ﴿٢٠﴾ )

[الانبياء: 19-20]
 

وعن حكيم بن حزام -رضي الله عنه- قال: بينما رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في أصحابه؛ إذ قال لهم: ((تسمعون ما أسمع؟ قالوا: ما نسمع من شيء؟ قال: إني لأسمع أطيط السماء، وما تلام أن تئط، وما فيها موضع شبر إلا وعليه ملك ساجد أو قائمرواه الطبراني.))

(أخرجه الطبراني في المعجم الكبير)
 

خامساً: أنهم محجوبون عن المشاهدة:

فهم عالم غيبي، لا يقعون تحت مدارك الحواس الإنسانية، في الحياة الدنيا، إلا لمن شاء الله، كرؤية نبينا -صلى الله عليه وسلم- لجبريل على صورته التي خلقه الله عليها، وإنما يرون في الآخرة، كما قال الله تعالى: (يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَىٰ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَّحْجُورًا)

[الفرقان: 22]
 

وقال: (وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ)

[الرعد: 23]
 

ولكن الله أعطاهم القدرة على التحول والتشكل على هيئة الآدميين، قال تعالى: (فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا)

[مريم: 17]
 

وقال: (وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَىٰ قَالُوا سَلَامًا ۖ قَالَ سَلَامٌ ۖ فَمَا لَبِثَ أَن جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ ﴿٦٩﴾ فَلَمَّا رَأَىٰ أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً ۚ قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَىٰ قَوْمِ لُوطٍ ﴿٧٠﴾)

[هود: 69-70]
 

وقال: (وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَـٰذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ ﴿٧٧﴾ وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِن قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ ۚ قَالَ يَا قَوْمِ هَـٰؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ ۖ فَاتَّقُوا اللَّـهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي ۖ أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ ﴿٧٨﴾)

[هود: 77-78]
 

فكانوا -عليهم السلام- على صورة رجال. وكذلك حين أتى جبريل النبي -صلى الله عليه وسلم- على صفة رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، وكان يأتيه أحياناً على صورة دحية الكلبي -رضي الله عنه

سادساً: أنهم موكلون بأعمال متنوعة:

إلى جانب وظيفتهم الأساسية المستمرة؛ من عبادة الرب وتسبيحه، فمن ذلك:

النزول بالوحي:

وهي وظيفة جبريل -عليه السلام-، قال تعالى: ( قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ)

[النحل: 102]
 

وقال: (وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿١٩٢﴾ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ ﴿١٩٣﴾ عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ ﴿١٩٤﴾)

[الشعراء: 192-194].
 

إنزال القطر:

إنزال القطر، وإنبات الأرض: وهي وظيفة ميكائيل، كما رواه أحمد أن اليهود قالوا لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "لو قلتَ: ميكائيل، الذي ينزل بالرحمة والنبات والقطر لكان"

(أخرجه أحمد ط الرسالة)
 

النفخ في الصور:

وهي وظيفة إسرافيل -عليه السلام-، فهو للصعق، والبعث، قال تعالى: (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاءَ اللَّـهُ ۖ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ)

[الزمر: 68]
 

وهؤلاء الثلاثة: جبرائيل، وميكائيل، وإسرافيل، هم سادة الملائكة؛ لأن مهامهم تتعلق بالحياة، فجبريل موكّل بحياة القلوب، وميكائيل موكّل بحياة النبات، وإسرافيل موكَّل بحياة الأبدان، وأشرفهم جبريل -عليه السلام-، وهو روح القدس.

حفظ بني آدم:

قال تعالى: ( لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّـهِ ۗ إِنَّ اللَّـهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ۗ وَإِذَا أَرَادَ اللَّـهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ ۚ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ)

[الرعد: 11]
 

حفظ أعمال بني آدم:

قال تعالى: (إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ ﴿١٧﴾ مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ﴿١٨﴾)

[ق: 17-18]
 

تثبيت المؤمنين ونصرهم:

قال تعالى: ( إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا ۚ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ)

[الأنفال: 12]
 


قبض الأرواح:

وهي وظيفة ملك الموت، قال تعالى: (قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ)

[السجدة: 11]
 

سؤال الميت في قبره عن ربه، ودينه، ونبيه:

وقال تعالى: (حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ )

[الأنعام: 61]
 

والسائلان هما: منكر ونكير. فعن أنس بن مالك -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((إن العبد إذا وضع في قبره، وتولى عنه أصحابه، وإنه ليسمع قرع نعالهم، أتاه ملكان فيقعدانه، فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل لمحمد -صلى الله عليه وسلم-، فأما المؤمن، فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله، فيقال له: انظر إلى مقعدك من النار قد أبدلك الله به مقعداً من الجنة، فيراهما جميعاً...، وأما المنافق والكافر، فيقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري، كنت أقول ما يقول الناس، فيقال: لا دريت ولا تليت، ويضرب بمطارق من حديد ضربة، فيصيح صيحة يسمعها من يليه غير الثقلين)) متفق عليه.

(أخرجه البخاري ومسلم)
 

وفي لفظ عند الترمذي من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-: ((إذا قبر الميت -أو قال: أحدكم- أتاه ملكان أسودان، أزرقان، يقال لأحدهما: المنكر، وللآخر: النكير، فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل؟...))

(أخرجه الترمذي ت شاكر وحسنه الألباني)
 

خزانة النار:

بنفخ الروح فيه، وكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد. فعن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: حدثنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو الصادق المصدوق، قال: ((إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغةمثل ذلك، ثم يبعث الله ملكاً، فيؤمر بأربع كلمات، ويقال له: اكتب عمله، ورزقه، وأجله، وشقي أو سعيد، ثم ينفخ فيه الروح))

(أخرجه البخاري ومسلم)
 

الاستغفار للمؤمنين، والدعاء لهم، وبشارتهم، وإكرامهم في الجنة:

قال تعالى: (وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً ۙ)

[المدثر: 31]
 

وقال: (وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ ۖ قَالَ إِنَّكُم مَّاكِثُونَ)

[الزخرف:77]
 

وقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ اللَّـهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ )

[التحريم: 6].
 

قال تعالى: (الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ ﴿٧﴾ رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدتَّهُمْ وَمَن صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴿٨﴾ وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ ۚ وَمَن تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ ۚ وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴿٩﴾)

[غافر: 7-9]
 

وقال: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّـهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ)

[فصلت: 30]
 

وقال: (وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ ﴿٢٣﴾ سَلَامٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ ۚ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ ﴿٢٤﴾)

[الرعد: 23-24]
 



هو الاعتقاد الجازم بأن الله تعالى أنزل على أنبيائه كتباً بالحق، هدى للناس، ورحمةً بهم، وموعظة لهم، وحجةً عليهم، وتبياناً لكل شيء.والإيمان بها يقتضي أموراً:

أولاً: الإيمان بأنها منزلة من عند الله بالحق:

قال تعالى: (نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ)

[آل عمران: 3]
 

ثانياً: الإيمان بما علمنا اسمه منها تعييناً، وما لم نعلم اسمه نؤمن به إيماناً مجملاً

وأعظمها ثلاثة:

1- التوراة:

التي أنزلها الله على موسى -عليه السلام-، قال تعالى: (قَالَ يَا مُوسَىٰ إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ ﴿١٤٤﴾ وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِّكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا ۚ سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ ﴿١٤٥﴾)

[الأعراف: 144-145]
 

وقال: ( إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ ۚ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَابِ اللَّـهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ)

[المائدة: 44]
 

2- الإنجيل:

الذي أنزله الله على عيسى -عليه السلام-، قال تعالى: ( ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِم بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنجِيلَ )

[الحديد: 27]
 

وقال: (وَآتَيْنَاهُ الْإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ)

[المائدة: 46]
 

3- القرآن:

الذي أنزله الله على محمد -صلى الله عليه وسلم-، وهو أعظمها كلها، قال تعالى: (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ)

[المائدة: 48]
 

وقال تعالى: (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا )

[الفرقان: 1]
 

ومن كتب الله: الزبور، الذي آتاه داود -عليه السلام-، قال تعالى: (وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا)

[الإسراء: 55]
 

وصحف إبراهيم، قال تعالى: () إِنَّ هَـٰذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَىٰ ﴿١٨﴾ صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ ﴿١٩﴾

[الأعلى: 18-19]
 

ثالثاً: تصديق ما لم يحرف من أخبارها:

: فقد أخبر تعالى أن كتب بني إسرائيل قد دخلها التحريف اللفظي والمعنوي، فقال: (يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ)

[النساء: 46]
 

وقال: (يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ)

[المائدة: 13]
 

وقال: (وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّـهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللَّـهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّـهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ)

[آل عمران: 78]
 

وأما القرآن العظيم فقد تكفل الله بحفظه، فقال: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)

[الحجر: 9]
 

، وصانه، فقال: (وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ ﴿٤١﴾ لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ۖ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ﴿٤٢﴾)

[فصلت: 41-42]
 

وتأسيساً على ذلك، فإن القصص والأخبار المذكورة في كتب أهل الكتاب، المسماة اصطلاحاً (الإسرائيليات) لا تخلو من ثلاثة أحوال:

أحدها: أن تكون موافقةً لما في القرآن: فنعتقد صحتها، لشهادة كتابنا لها، كذكر الطوفان، وقصة إبراهيم ويوسف وموسى، وإغراق آل فرعون، وآيات عيسى -عليه السلام- وغيرها، دون ما تضمنته من تفاصيل.

الثانية: أن تكون مخالفةً لما في القرآن: فنعتقد بطلانها، وأنها مما أحدثوه، وكتبوه بأيديهم، ولووا به ألسنتهم، كزعمهم أن لوطاً -عليه السلام- شرب الخمر، وزنى بابنتيه! أكرمه الله، وحاشاه، وزعمهم أن عيسى هو الله، أو ابن الله، أو ثالث ثلاثة! تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً.


الثالثة: أن تكون غير موافقة ولا مخالفة: فلا نصدقها، ولا نكذبها؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم، وقولوا: آمنا بالله، وكتبه، ورسله، فإن كان حقاً لم تكذبوهم، وإن كان باطلاً لم تصدقوهم)) رواه أحمد، وأبو داود، إلا إنه يجوز التحديث به.

(أخرجه أبو داود)
 

وحكايته؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((وحدثوا عن بني إسرائيل، ولا حرج))

(أخرجه البخاري)
 

رابعاً: الحكم بشريعة القرآن:

فإن الله أنزل القرآن العظيم مهيمناً على الكتب السابقة، أي حاكماً، وأميناً، وشاهداً عليه، فاستوعب ما تضمنته من مصالح، ونسخ بعض أحكامها، وأقر بعضها، وزاد عليها، فلا يحل اتباع شريعة غير شريعة القرآن، فقد قال تعالى، بعد ذكر التوراة والإنجيل: (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ۖ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّـهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ ۚ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّـهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَـٰكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ ۖ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ۚ إِلَى اللَّـهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ﴿٤٨﴾ وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّـهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّـهُ إِلَيْكَ ۖ فَإِن تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّـهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ ۗ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ ﴿٤٩﴾ أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ۚ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّـهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴿٥٠﴾)

[المائدة: 48-50]
 

وقال: (إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّـهُ ۚ وَلَا تَكُن لِّلْخَائِنِينَ خَصِيمًا )

[النساء: 105]
 

خامساً: الإيمان بالكتاب كله، وعدم تبعيضه:

قال تعالى: (أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ۚ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدِّ الْعَذَابِ ۗ وَمَا اللَّـهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ)

[البقرة: 85]
 

وقال: (هَا أَنتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ)

[آل عمران: 119]
 

سادساً: تحريم كتمانها، وتحريفها، والاختلاف فيها، وضرب كلام الله بعضه ببعض:

قال تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّـهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۖ فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ )

[آل عمران: 187]
 

وقال: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللَّـهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۙ أُولَـٰئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّـهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴿١٧٤﴾ أُولَـٰئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَىٰ وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ ۚ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ ﴿١٧٥﴾ ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّـهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ ۗ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ ﴿١٧٦﴾)

[البقرة: 174-176]
 

وقال: (فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَـٰذَا مِنْ عِندِ اللَّـهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۖ فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ)

[البقرة: 79]
 

وسمع النبي -صلى الله عليه وسلم- قوماً يتدارؤون فقال: (إنما هلك من كان قبلكم بهذا، ضربوا كتاب الله بعضه ببعض، وإنما نزل كتاب الله يصدق بعضه بعضاً، فلا تكذبوا بعضه ببعض، فما علمتم منه فقولوا، وما جهلتم، فكلوه إلى عالمه)

(أخرجه أحمد ط الرسالة)
 

هو الاعتقاد الجازم بأن الله تعالى اصطفى من الناس رجالاً، أوحى إليهم، وأرسلهم مبشرين، ومنذرين، يبلغون رسالاته إلى خلقه بعبادته وحده، واجتناب الطاغوت، رحمة بهم، وإقامةً الحجة عليهم.

قال تعالى: (اللَّـهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ ۚ إِنَّ اللَّـهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ)

[الحج: 75]
 

وقال: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِي إِلَيْهِمْ ۚ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ)

[النحل: 43]
 

وقال: (رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّـهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ۚ وَكَانَ اللَّـهُ عَزِيزًا حَكِيمًا)

[النساء: 165]
 

وقال: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّـهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ)

[النحل: 36]
 

ومما يدخل في الإيمان بالرسل:

أولاً: الإيمان بأن رسالتهم من عند الله، بمحض مشيئته، وحكمته:

قال تعالى: (وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَن نُّؤْمِنَ حَتَّىٰ نُؤْتَىٰ مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّـهِ ۘ اللَّـهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ)

[الأنعام: 124]
 

وقال: ( وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَـٰذَا الْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ﴿٣١﴾ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ ۚ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۚ وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا ۗ وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ)

[الزخرف: 31-32].
 

فالنبوة والرسالة لا تنالان بالرياضة والمجاهدة، كما يزعم بعض زنادقة الصوفية، كما لا تثبت باجتماع القوى القدسية والتخيلية والتأثيرية، كما يزعم الفلاسفة، بل هي محض اصطفاء، وفضل من الله، لمن علمه أهلاً لها من كرام خلقه.

:ثانياً: الإيمان برسل الله جميعاً

من علمنا اسمه تعييناً، ومن لم نعلم اسمه، فنؤمن به إجمالاً، فممن علمنا اسمه منهم المذكورون في قوله تعالى بعد ذكر إبراهيم -عليه السلام-: ( وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ۚ كُلًّا هَدَيْنَا ۚ وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ ۖ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَىٰ وَهَارُونَ ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴿٨٤﴾ وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَىٰ وَعِيسَىٰ وَإِلْيَاسَ ۖ كُلٌّ مِّنَ الصَّالِحِينَ ﴿٨٥﴾ وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا ۚ وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ ﴿٨٦﴾)

[الأنعام: 84-86]
 

وقال تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ)

[غافر: 78]
 

فالواجب الإيمان بهم جميعاً؛ لأن دعوتهم واحدة، قال تعالى: ( شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ ۖ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ)

[الشورى: 13]
 

فالكفر بواحد منهم كفر بجميعهم، قال تعالى: (كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ)

[الشعراء: 105]
 

مع أنه أول الرسل، فلا يجوز التفريق بين رسل الله، ولا الإيمان ببعضهم دون بعض، فمن فعل ذلك فقد كفر، قال تعالى: (نَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّـهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّـهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا ﴿١٥٠﴾ أُولَـٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا ۚ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا ﴿١٥١﴾ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّـهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ أُولَـٰئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ ۗ وَكَانَ اللَّـهُ غَفُورًا رَّحِيمًا ﴿١٥٢﴾)

[النساء: 150-152]
 

ثالثاً: تصديقهم:

وقبول ما أخبروا به عن الله: قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِن رَّبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَّكُمْ ۚ وَإِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّـهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَكَانَ اللَّـهُ عَلِيمًا حَكِيمًا)

[النساء: 170]
 

وقال: (وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ ۙ أُولَـٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ)

[الزمر:33]
 

وقال: (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ ﴿١﴾ مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ ﴿٢﴾ وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ ﴿٣﴾ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ ﴿٤﴾ عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَىٰ ﴿٥﴾)

[النجم:1- 5]
 

فكل ما صح من أخبار الأنبياء السابقين، مما أثبته الله في كتابه، أو صح عن نبيه -صلى الله عليه وسلم- في سنته، وجب تصديقه، وأما ما يؤثر عنهم في الإسرائيليات، فيجرى عليها ما تقدم تفصيله في الإيمان بالكتب، وأما ما رفع إلى نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- من روايات مسندة، فتجرى عليها قواعد المحدثين، لمعرفة صحيحها من سقيمها، فما صح وجب قبوله، والإيمان به.

رابعاً: طاعتهم، واتباعهم، والتحاكم إليهم:

قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّـهِ)

[النساء: 64]
 

فالواجب على كل أمة أن تطيع نبيها الذي بُعث فيها، وتتبعه، ولما كان آخرهم وخاتمهم محمد -صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين-، كانت شريعته ناسخة لما سبقها من الشرائع، وطاعته واتباعه متعينة على كل من سمع به، قال تعالى: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ۚ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ ۙ أُولَـٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴿١٥٧﴾ قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّـهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ لَا إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ ۖ فَآمِنُوا بِاللَّـهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّـهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴿١٥٨﴾ )

[الأعراف: 157- 158]
 

وقال: (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّـهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّـهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّـهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴿٣١﴾ قُلْ أَطِيعُوا اللَّـهَ وَالرَّسُولَ ۖ فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّـهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ ﴿٣٢﴾)

[آل عمران: 31- 32]
 

وقال: (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)

[النساء: 65]
 

خامساً: موالاتهم، ومحبتهم، وتوقيرهم، والسلام عليهم:

قال تعالى: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّـهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ﴿٥٥﴾ وَمَن يَتَوَلَّ اللَّـهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّـهِ هُمُ الْغَالِبُونَ ﴿٥٦﴾)

[المائدة: 55- 56]
 

وقال: ( فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّـهِ ۖ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّـهِ آمَنَّا بِاللَّـهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ)

[آل عمران: 52]
 

وقال: (قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّـهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّـهُ بِأَمْرِهِ ۗ وَاللَّـهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ)

[التوبة: 24]
 

وقال: (وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ )

[الصافات:181]
 

وقال عن نبيه محمد -صلى الله عليه وسلم-: (لِّتُؤْمِنُوا بِاللَّـهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلً)

[الفتح: 9]
 

وقال: (إِنَّ اللَّـهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)

[الأحزاب:56]
 

وقال -صلى الله عليه وسلم-: ((لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده، وولده، والناس أجمعين)) متفق عليه

(أخرجه البخاري)
 



هو الاعتقاد الجازم بأن الله تعالى يؤخر العباد ليومٍ يبعثهم فيه من قبورهم، ويحاسبهم على أعمالهم، ويجزيهم عليها؛ إما بالجنة أو النار. قال تعالى: ( إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ)

[إبراهيم: 42]
 

وقال: ( زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن لَّن يُبْعَثُوا ۚ قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ ۚ وَذَٰلِكَ عَلَى اللَّـهِ يَسِيرٌ)

[التغابن: 7]
 

وقال: ( وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ ﴿١٤﴾ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ ﴿١٥﴾ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ فَأُولَـٰئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ ﴿١٦﴾)

[الروم: 14- 16]
 

ومما يدخل في الإيمان باليوم الآخر، ما يلي:

أولاً: الإيمان بما يكون بعد الموت:

من معاينة الملائكة حين الاحتضار، وفتنة القبر الحاصلة من سؤال الملكين للعبد عن ربه، ودينه، ونبيه، وعذاب القبر، أو نعيمه، مما يكون في حياة البرزخ، قال تعالى: (وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا ۙ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ)

[الأنفال: 50]
 

وقال: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّـهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ )

[فصلت: 30]
 

وقال: ( وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ ﴿٤٥﴾ النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا ۖ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ ﴿٤٦﴾)

[غافر: 47-46]
 

عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((إن العبد إذا وضع في قبره، وتولى عنه أصحابه، وإنه ليسمع قرع نعالهم، أتاه ملكان فيقعدانه، فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل لمحمد -صلى الله عليه وسلم-، فأما المؤمن، فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله، فيقال له: انظر إلى مقعدك من النار قد أبدلك الله به مقعداً من الجنة، فيراهما جميعاً...، وأما المنافق والكافر، فيقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري، كنت أقول ما يقول الناس، فيقال: لا دريت ولا تليت، ويضرب بمطارق من حديد ضربة، فيصيح صيحة يسمعها من يليه غير الثقلين))

(أخرجه البخاري)
 

وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: مر النبي -صلى الله عليه وسلم- بقبرين، فقال: ((إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستتر من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة)) ثم أخذ جريدة رطبة، فشقها نصفين، فغرز في كل قبر واحدة، قالوا: يا رسول الله، لم فعلت هذا؟ قال: ((لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا)) متفق عليه

(أخرجه البخاري)
 

ثانيًا: الإيمان بالساعة، وأشراطها:

قال تعالى: ( اللَّـهُ الَّذِي أَنزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ ۗ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ ﴿١٧﴾ يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا ۖ وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ ۗ أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ ﴿١٨﴾)

[الشورى: 17-18]
 

وقال: ( فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُم بَغْتَةً ۖ فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا ۚ فَأَنَّىٰ لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ )

[محمد: 18]
 

ومن أشراط الساعة الكبرى:

ما دل عليه قوله -صلى الله عليه وسلم-: ((إنها لن تقوم حتى ترون قبلها عشر آيات، فذكر: الدخان، والدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى بن مريم، ويأجوج ومأجوج، وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم)) رواه مسلم

(أخرجه مسلم)
 

ومجيء الساعة مباغت، سريع؛ قال تعالى: ( يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا ۖ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي ۖ لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ۚ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً ۗ يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا ۖ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللَّـهِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ)

[الأعراف: 187]
 
2 Related by Muslim, 8.

وقال: (وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ ۚ)

[النحل: 77]
 

وقيامها يكون بنفخة الصعق؛ قال تعالى: (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاءَ اللَّـهُ)

[الزمر: 68]
 

ثالثاً: الإيمان بالبعث:

وهو إخراج الله تعالى العباد من قبورهم أحياءً، حفاةً غير منتعلين، عراةً غير مكتسين، غرلاً غير مختونين، بهماً ليس معهم شيء، وذلك بعد النفخة الثانية في الصور، قال تعالى: (ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ)

[الزمر: 68]
 

وقال: (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ الْأَجْدَاثِ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ)

[يس: 51]
 

وقال -صلى الله عليه وسلم-: ((يحشر الناس يوم القيامة حفاة، عراة، غرلاً))

(أخرجه البخاري)
 

رابعاً: الإيمان بأحوال القيامة الكبرى:

: قال تعالى: (يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ)

[المطففين: 6]
 

.وهي قيام الناس لرب العالمين، قياماً طويلاً في عرصات القيامة، يُسمعهم الداعي، وينفذهم البصر، وتدنو منهم الشمس، ويلجمهم العرق، ويورد الحوض، وتنشر الدواوين، وتوضع الموازين، وينصب الصراط، في مواقف عظيمة، وأحوال مهولة.

خامساً: الإيمان بالحساب:

: قال تعالى: (إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ ﴿٢٥﴾ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُم ﴿٢٦﴾)

[الأعلى: 25-26]
 

وقال: ( فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ ﴿٧﴾ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا ﴿٨﴾)

[الانشقاق: 7-8]
 

وقال: (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ﴿٧﴾ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ﴿٨﴾)

[الزلزلة: 7-8]
 

وقال: (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا ۖ وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا ۗ وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ)

[الأنبياء: 47]
 

وحساب الخلائق نوعان:

1 - حساب المؤمنين:

وهو إما عرض، أو مناقشة، فحساب العرض لمن سبقت له من الله الحسنى من السعداء، ويدل عليه حديث ابن عمر -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((إن الله يدني المؤمن، فيضع عليه كنفه، ويستره، فيقول: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ فيقول: نعم، أي رب! حتى إذا قرره بذنوبه، ورأى في نفسه أنه هلك، قال:قد سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم، فيعطى كتاب حسناته))

(أخرجه البخاري)
 

وأما حساب المناقشة، فيقع لأصحاب الكبائر من الموحدين، ممن شاء الله أن يعذبهم بذنوبهم في النار، ومآلهم إلى الجنة، ويدل عليه حديث عائشة -رضي الله عنها- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((ليس أحد يحاسب يوم القيامة إلا هلك)) فقلت: يا رسول الله، أليس قد قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً﴾ [الانشقاق:7- 8] ؟ فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((إنما ذلك العرض، وليس أحد يناقش الحساب يوم القيامة إلا عذب)) متفق عليه.

(أخرجه البخاري )
 

2- حساب الكافرين:

فهؤلاء لا يحاسبون محاسبة الموازنة بين الحسنات والسيئات، لأنه لا حسنات لهم، قال تعالى: (وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا )

[الفرقان: 23]
 

بل يوقفون على أعمالهم، ويقررون بها، ففي حديث ابن عمر السابق: ((وأما الكفار والمنافقون، فينادى بهم على رؤوس الخلائق: هؤلاء الذين كذبوا على الله)) متفق عليه.

(أخرجه البخاري ومسلم)
 

سادساً: الإيمان بالجزاء

وهو الإيمان أن الجنة حق، والنار حق، فالجنة هي الدار التي أعدها الله جزاءً لعباده المتقين، فيها من صنوف النعيم الحسي والمعنوي، ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، والنار هي الدار التي أعدها الله جزاءً للكافرين، فيها من صنوف العذاب الحسي

والمعنوي مثل ذلك. قال تعالى: (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ۖ فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّـهِ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ ﴿٣٢﴾ جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا ۖ وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ ﴿٣٣﴾ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّـهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ ۖ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ ﴿٣٤﴾ الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ ﴿٣٥﴾ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَىٰ عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا ۚ كَذَٰلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ ﴿٣٦﴾ وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ ۚ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ ۖ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ ﴿٣٧﴾ )

[فاطر: 32-37]
 

هو الاعتقاد الجازم بأن الله تعالى قدر مقادير الخلائق بعلمه الأزلي، وكتبها في اللوح المحفوظ، وأجراها بمشيئته، وأوجدها بقدرته.

قال تعالى: ( إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ)

[القمر: 49]
 

وقال: (وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا)

[الفرقان: 2]
 

ومما يدخل في الإيمان بالقدر، ما يلي:

أولاً: الإيمان بعلم الله الأزلي، الأبدي، المحيط بكل شيء جملةً، وتفصيلاً

مما يتعلق بأفعاله؛ من الآجال، والأرزاق، أو يتعلق بأفعال عباده؛ من الطاعات، والمعاصي، قال تعالى: (وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ )

[البقرة: 29]
 

وقال: (ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ)

[الأنعام: 96]
 

فقد علم من سيطيعه، ومن سيعصيه، كما علم ما يُعمَّر من مُعمَّر، وما يُنقَص من عمره.

ثانياً: الإيمان بكتابة الله للمقادير في اللوح المحفوظ

قال تعالى: ( مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّـهِ يَسِيرٌ)

[الحديد: 22]
 

وقال: (الِمِ الْغَيْبِ ۖ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِن ذَٰلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ)

[سبأ:3]
 

وعن عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ((كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، قال: وعرشه على الماء)) رواه مسلم.

(أخرجه مسلم)
 

رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ((إن أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب، فقال: رب وماذا أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة)) رواه أبو داود والترمذي.

(أخرجه أبو داود)
 

وقد جمع الله العلم، والكتابة في قوله: (أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّـهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ۗ إِنَّ ذَٰلِكَ فِي كِتَابٍ ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّـهِ يَسِيرٌ)

[الحج: 70]
 

ثالثاً: الإيمان بمشيئة الله النافذة

فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، ولا راد لما قضى، ولا يكون في ملكه ما لا يريد، يهدي من يشاء بفضله، ويضل من يشاء بعدله، ولا معقب لحكمه.

قال تعالى: (وَلَوْ شَاءَ اللَّـهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَـٰكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّـهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَـٰكِنَّ اللَّـهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ)

[البقرة: 253]
 

وقال: (لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ ﴿٢٨﴾ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّـهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ﴿٢٩﴾)

[التكوير:28- 29]
 
uploads/1544772231messenger5.jpg

رابعاً: الإيمان بخلق الله لجميع الكائنات، وإيجاده لها

فالله الخالق، وما سواه مخلوق، وجميع الأشياء: ذواتها، وصفاتها، وحركاتها، مخلوقة، محدثة، والله خالقها، وموجدها، قال تعالى: (اللَّـهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ)

[الزمر: 62]
 

وقال: (وَاللَّـهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ)

[الصافات: 96]
 

فأفعال العباد خلق لله، وكسب لهم؛ قال تعالى: (لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ)

[البقرة: 286]
 

خامساً: الإيمان أنه لا تلازم بين المشيئة والمحب

: فقد يشاء ما لا يحب، وقد يحب ما لا يشاء، لحكمة بالغة، وغاية محكمة، قال تعالى (وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَـٰكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ)

[السجدة:13]
 

وقال: (إِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّـهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ ۖ وَلَا يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ ۖ وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ)

[الزمر:7]
 

سادساً: الإيمان أنه لا تعارض بين الشرع والقدر:

قال تعالى: (إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ ﴿٤﴾ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَاتَّقَىٰ ﴿٥﴾ وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَىٰ ﴿٦﴾ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ ﴿٧﴾ وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَىٰ ﴿٨﴾ وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَىٰ ﴿٩﴾ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ ﴿١٠﴾)

[الليل: 4- 10]
 

وذلك أن الشرع كتاب مفتوح، والقدر غيب مكنون، فقد قدر الله مقادير العباد، وأخفى ذلك عنهم، وأمرهم، ونهاهم، وأعدهم، وأمدهم، بما يؤهلهم لامتثال أمره، واجتناب نهيه، وعذرهم إذا عرض لهم مانع من موانع التكليف، فلا حجة لأحد على فعل المعصية،


وذلك أن الشرع كتاب مفتوح، والقدر غيب مكنون، فقد قدر الله مقادير العباد، وأخفى ذلك عنهم، وأمرهم، ونهاهم، وأعدهم، وأمدهم، بما يؤهلهم لامتثال أمره، واجتناب نهيه، وعذرهم إذا عرض لهم مانع من موانع التكليف، فلا حجة لأحد على فعل المعصية، وترك الطاعة، بالقدر السابق، قال تعالى: (سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّـهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ ۚ كَذَٰلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ حَتَّىٰ ذَاقُوا بَأْسَنَا ۗ قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا ۖ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ)

[الأنعام: 148-149]
 

فأكذب دعواهم أولاً، وأذاقهم بأسه ثانياً، ولو كان لهم في القدر حجة ما أذاقهم بأسه، وكشف زيف دعواهم ثالثاً؛ فهم لم يطّلعوا على كتابهم، فيصدروا عن علم، فيكون حجة لهم، بل هي مبنية على ظن وتخرص ليس إلا! فصارت الحجة البالغة لله.

وقد ضل في باب القدر طائفتان:

إحداهما: القدرية النفاة: الذين أنكروا القدر، وهم على درجتين:

1- غلاة: وهم أوائلهم، الذين ظهروا في أواخر عهد الصحابة -رضي الله عنهم-، وزعموا أن الأمر أُنُف، وقد ردّ عليهم الصحابة، كابن عباس وابن عمر -رضي الله عنهم-، وقد أنكروا العلم، والكتابة، والمشيئة، والخلق.

2- دون ذلك: وهم المعتزلة، الذين اثبتوا العلم والكتابة، وأنكروا المشيئة والخلق، وزعموا أن العبد يخلق فعل نفسه. الثانية: الجبرية: الذين غلوا في إثبات أفعال الرب، حتى سلبوا العبد مشيئته وقدرته، وجعلوا أفعاله اضطرارية، كحركة المرتعش، ونفوا عن أفعال الله الحكمة والتعليل.

وهما على درجتين:

1- غلاة: وهم زنادقة الصوفية، الذين يزعمون شهود الحقيقة الكونية، ويسوغون لأنفسهم فعل كل شيء، بدعوى موافقة القدر، ويقول قائلهم: أصبحت منفعلاً لما يختاره *** مني ففعلي كُله طاعات

2- دون ذلك: وهم الأشاعرة القائلون بنظرية الكسب، وإثبات قدرة للعبد غير مؤثرة.

وكلا الطائفتين محجوج بالشرع، والواقع:

1- فمنكرو القدر بمراتبه الأربع العلم، والكتابة، والمشيئة والخلق، التي تقدم ذكرها، ترد عليهم النصوص الصريحة بإثباتها، ويدل الواقع على أن المرء يعمد لفعل شيءٍ من الأشياء، فيحال بينه وبينه.

2- فمنكرو القدر بمراتبه الأربع العلم، والكتابة، والمشيئة والخلق، التي تقدم ذكرها، ترد عليهم النصوص الصريحة بإثباتها، ويدل الواقع على أن المرء يعمد لفعل شيءٍ من الأشياء، فيحال بينه وبينه.